المقريزي

361

المقفى الكبير

أحمد بن طولون ، ثمّ بزاوية ابن عبّود هذا ، من القرافة . فلمّا تسلطن رفع محلّ ابن عبّود ونوّه به . فتردّد إليه الأكابر من الأمراء وغيرهم . وأتقن عمارة زاويته ، وعمل بها الأوقات « 1 » العظيمة ، وتقرّب الناس له بكلّ ما يريد ، ونفذت أوامره وقبلت شفاعته ، وقصده الناس لحوائجهم ، وعرف بالعصبيّة والمروءة ، وأنّه إذا قام في شيء لا يرجع عنه . وكان خبيرا بطرق السعي في بلوغ مقاصده ، وهو الذي قام في ولاية الشيخ [ 410 ب ] تقيّ الدين محمد ابن دقيق العيد قضاء القضاة . وما زال محترما حتى مات يوم الجمعة الثالث والعشرين من شوّال سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة ، وقد أناف على السبعين . 1265 - ابن أبي زرعة القاضي [ 285 - 327 ] « 2 » [ 478 أ ] الحسين بن محمد بن عثمان بن زرعة ، أبو عبد اللّه ، ابن أبي زرعة ، الدمشقيّ ، قاضي مصر والشام وابن قاضيهما . ولد بمصر سنة خمس وثمانين ومائتين . وبرع في معرفة الأحكام . وولي قضاء دمشق بعد عزل أبي محمد عبد اللّه بن أحمد بن زبر في يوم الأحد لعشر بقين من ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة ، وهو يومئذ ببغداد ، فقدمها . ثمّ ولي قضاء مصر خلافة لقاضي القضاة أبي الحسن محمد بن الحسن ابن أبي الشوارب بكتابه إليه من بغداد . فلبس سواده وركب وبين يديه أصحاب الشرط : جانك الإخشيديّ ، وأبو الحسين سعيد بن عثمان . وقرئ كتابه على المنبر وقد جلس في الجامع العتيق . واستخلف الفقيه أبا بكر محمد بن أحمد ابن الحدّاد ، وذلك في سلخ ربيع الآخر سنة خمس وعشرين [ وثلاثمائة ] وجمع له الحكم بمصر والإسكندريّة والرملة وطبريّة ودمشق وحمص وأعمالهنّ . وكان ينظر في المواريث ودار الضرب والأحباس . واستكتب في الأحكام أبا محمد الحسن بن عبد الرحمن بن إسحاق الجوهريّ . واستكتب بمكاتبة السلطان أبا يعقوب الخيزرانيّ وأبا القاسم الديباجيّ . واستقضى في الأحباس عبد اللّه بن حكيم ، ثمّ صرفه بعتيق بن عقبة ومحمد بن إبراهيم بن زرقان ، وعزّ جانبه . وكان يجلس في الجامع كلّ يوم سبت ولا يسمع الشهادات ولا يعدّل أحدا إلّا في الجامع ، وكان حاجبه بسيف ومنطقة . فمضت له بمصر أحكام كثيرة وعدّل جماعة كثيرة من وجوه مصر ومن الأشراف . ثمّ تنكّر له ابن الحدّاد في مراجعة في الكلام ، فانصرف مغضبا وهو ينشد [ طويل ] : تبعتك إذ عيني عليها غشاوة * فلمّا انجلت قطّعت نفسي ألومها وما بي إن أقصيتني من ضراعة * ولا افتقرت نفسي إلى من يضمّها وجلس في بيته . وانقطع عن أبي زرعة « 3 » . فتطاول جماعة لخلافته بدل ابن الحدّاد . وكان يجلس بنفسه للحكم غدوة وعشيّة حفاظا لابن الحدّاد وليزيد غناه عنه . فتوسّط بينهما أبو محمد الحسن بن طاهر الحسينيّ ، عمّ أبي جعفر مسلّم ، وجاء بابن الحدّاد عشيّة إلى منزل ابن أبي زرعة ،

--> ( 1 ) عمل الأوقات : قد يكون مصطلحا صوفيا كعمل اليوم والليلة . ( 2 ) الوافي 13 / 47 ( 51 ) - الكندي ، 488 ، 542 ، 562 - السبكيّ ، 3 / 281 ( 180 ) . ( 3 ) جملة مبهمة ، فالذي انقطع هو ابن الحدّاد .